قد تستفيد مصر استراتيجيًا واقتصاديًا من تصاعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في أفريقيا، وترى الدكتورة نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية، أن القاهرة تستطيع توظيف شراكتها الاستراتيجية مع بكين إلى جانب موقعها الجغرافي الفريد، لتعزيز أمنها القومي وتحويل موقعها إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية والتجارة.


ويطرح مقال نادية حلمي المنشور في موقع «مودرن دبلوماسي» تصورًا لكيفية استفادة مصر من التنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا والبحر الأحمر، من خلال تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتنويع الشراكات العسكرية والأمنية، وتعزيز حضورها في القارة، مع الاستفادة من الاستثمارات الصينية دون الارتهان لطرف دولي واحد.

 


قناة السويس بوابة مصر لتعزيز التجارة والأمن القومي


يمكن لمصر تعزيز مكانتها كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية عبر تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والاستفادة من الاستثمارات والمشروعات الصينية الضخمة في منطقة «تيدا» بالعين السخنة. وترى الكاتبة أن توطين صناعات حيوية، مثل الهيدروجين الأخضر والألواح الشمسية والسيارات الكهربائية، قد يساعد على تحويل مصر من مجرد دولة تمتلك ممرًا مائيًا استراتيجيًا إلى مركز عالمي للتصنيع والخدمات اللوجستية.


كما تستطيع القاهرة ربط مبادرة «الحزام والطريق» الصينية برؤية مصر 2030، عبر دمج موانئ مثل شرق بورسعيد والإسكندرية والعين السخنة في شبكة التجارة البحرية الصينية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مساحة تسمح بجذب استثمارات بديلة إلى موانئ وممرات لوجستية أخرى، بما يوسع خيارات مصر وشبكة حلفائها الدوليين.


وتشير حلمي إلى أن موقع مصر يوفر أيضًا قاعدة إقليمية آمنة للشركات العالمية والصينية الراغبة في تنويع سلاسل الإمداد بعيدًا عن مناطق الصراع المباشر، مستفيدة من الموقع المصري الذي يربط بين ثلاث قارات.


وفي المجال الأمني، قد تتيح الشراكة مع الصين لمصر تنويع مصادر التسليح والتكنولوجيا العسكرية، والحصول على تقنيات متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي وتكنولوجيا الفضاء والأقمار الصناعية، بعيدًا عن الشروط السياسية الصارمة التي تفرضها واشنطن، بما يعزز استقلالية القرار العسكري المصري.
 

كما يمكن للقاهرة الاستفادة من الوجود العسكري الصيني في جيبوتي واهتمام بكين بأمن الملاحة البحرية، للتنسيق وبناء مظلة أمنية مشتركة تحمي قناة السويس من التهديدات الناشئة، ومنها الهجمات في البحر الأحمر، خصوصًا أن استقرار هذا الممر يمثل مصلحة مشتركة وحيوية لمصر والصين.
 

وتمنح المرونة الدبلوماسية والتوازن الاستراتيجي مصر ورقة ضغط إضافية في تعاملها مع الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية الغربية، ولا سيما بعد انضمام القاهرة إلى مجموعة «بريكس». وترى الكاتبة أن التقارب المصري مع الصين يمكن أن يعزز قدرة القاهرة على التفاوض مع واشنطن، والعكس صحيح.
 

ولا تقتصر فرص التعاون على الداخل المصري، إذ يمكن لمصر أن تتحول إلى بوابة استراتيجية للاستثمارات الصينية المتجهة إلى أفريقيا، عبر تنفيذ مشروعات بنية تحتية مشتركة، تشمل الطرق ومحطات الكهرباء والسدود، بالتعاون بين الشركات المصرية والصينية في دول حوض النيل والقرن الأفريقي، بما يعزز النفوذ المصري ودبلوماسية التنمية في القارة.
 

 

المنافسة الدولية تمنح مصر فرصًا لتوسيع نفوذها في أفريقيا
 

ترى الكاتبة أن مصر تستطيع الاستفادة من التنافس الدولي والصيني على النفوذ في أفريقيا والبحر الأحمر وإثيوبيا، ومن شراكتها مع بكين، لتعزيز أمنها القومي وموقعها كمركز لوجستي وتجاري.


وتستطيع القاهرة مواصلة تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالتوازي مع الاستثمارات الصينية، وعلى رأسها منطقة «تيدا» في العين السخنة، بما يحول القناة من مجرد ممر مائي إلى مركز عالمي للتصنيع وإعادة التصدير.


كما يمكن لمصر قيادة مشروعات للربط الإقليمي داخل أفريقيا، مثل طريق القاهرة-كيب تاون ومشروع الممر الملاحي لبحيرة فيكتوريا-البحر المتوسط، مع الاستفادة من التمويل الذي توفره مبادرة «الحزام والطريق» لربط التجارة الأفريقية بالبحر الأحمر.


وفي المجال الأمني، تستطيع القاهرة توظيف المنافسة الدولية على البحر الأحمر لتعزيز أمن الملاحة ومكافحة القرصنة والإرهاب، عبر بناء تحالفات مرنة وتحديث قدراتها البحرية، بما في ذلك قاعدة برنيس البحرية، دون الانحياز بصورة كاملة إلى أي قوة دولية واحدة.


وتدعو الكاتبة كذلك إلى جعل نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة شرطًا أساسيًا في العقود الاستثمارية مع الصين والدول الغربية، خصوصًا في صناعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والاتصالات. ومن شأن ذلك، وفق رؤيتها، تقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الاقتصادي المصري.


وتطرح حلمي سيناريوهين محتملين لمستقبل النفوذ الاقتصادي الصيني في مصر والمنطقة. يتمثل السيناريو الأول في تحول النفوذ الصيني إلى عامل للاستقرار والتنمية، عبر التركيز على البنية التحتية، وتوفير القروض الميسرة، وخلق فرص العمل المحلية، ودعم التكامل الإقليمي. وقد ينعكس ذلك إيجابيًا على مصر وأفريقيا، ويسهم في تخفيف الصراعات المرتبطة بالفقر، مع توفير خيارات تمويل بديلة للدول الأفريقية لتطوير اقتصاداتها.


أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تحول النفوذ الصيني داخل أفريقيا إلى عامل سلبي، يجعل القارة ساحة جديدة للتنافس الدولي. وقد تؤدي المخاوف الأمريكية والأوروبية المتزايدة من الهيمنة الصينية ومحاولات احتوائها عبر مبادرات مضادة أو ضغوط سياسية إلى تحويل البحر الأحمر وأفريقيا إلى مناطق للاستقطاب العسكري والسياسي، بما يدفع الدول إلى الاختيار بين المعسكرين الشرقي والغربي.


وتخلص الكاتبة إلى أن قدرة مصر على تحقيق التوازن الدبلوماسي والاعتماد على سياسة تعدد الشركاء تمثل الضامن الأساسي لتحويل النفوذ الصيني إلى عامل استقرار يدعم أمنها القومي، بدلًا من أن يتحول إلى مصدر جديد للصراع الدولي.

 


الصين وسد النهضة.. هل تستطيع بكين دعم التفاوض المصري الإثيوبي؟


تتناول حلمي كذلك الدور الصيني المحتمل في قضية سد النهضة الإثيوبي، في ضوء تنامي علاقات بكين مع إثيوبيا ودول حوض النيل. وترى أن هذا الدور يمكن أن يخدم الاستقرار والمفاوضات بين مصر وإثيوبيا، رغم أن المصالح الاقتصادية الصينية قد تجعل بكين أكثر حذرًا من الدخول في مواجهة مع أديس أبابا.


وتتبنى الصين، بحسب الكاتبة، نهجًا براجماتيًا حذرًا يوازن بين مصالحها الاقتصادية الكبيرة في إثيوبيا وشراكتها الاستراتيجية مع مصر. ولذلك يظل دورها أقرب إلى الدبلوماسية الهادئة والدعوة إلى التفاوض، دون ممارسة ضغوط مباشرة أو الدخول في مواجهة مع الحكومة الإثيوبية.


وقد ساهمت الشركات والتمويلات الصينية بصورة مباشرة في البنية التحتية ومحطات توزيع الكهرباء المرتبطة بسد النهضة ومشروعات إثيوبية أخرى. وفي الوقت نفسه، تلتزم بكين تقليديًا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتتجنب اتخاذ مواقف علنية ضد مشروعات التنمية الإثيوبية.


وتحرص الصين، وفق التحليل، على إصدار بيانات مشتركة مع مصر تؤكد أهمية القانون الدولي وضرورة تجنب الإضرار بالأمن المائي، لكن هذه البيانات تظل في إطار المواقف الدبلوماسية ولا تصل إلى حد ممارسة ضغوط من خلال وساطة مباشرة.


وترى حلمي أن قدرة الصين على التأثير موجودة بالفعل، إذ تمتلك بكين نفوذًا اقتصاديًا وماليًا كبيرًا في إثيوبيا، يمكنها توظيفه إذا أرادت، بالنظر إلى حجم استثماراتها وقروضها المقدمة لأديس أبابا. لكن إرادة ممارسة هذا الضغط تبدو غائبة، إذ لا ترغب الصين في التحول إلى وسيط جاد أو طرف ضاغط، وتفضل الابتعاد عن نقاط الخلاف الحادة بين مصر وإثيوبيا والسودان.


وبناءً على ذلك، يظل الدور الأقصى الممكن لبكين، وفق الكاتبة، محصورًا في الوساطة الهادئة وتشجيع الأطراف على العودة إلى طاولات التفاوض الإقليمية، دون فرض حلول ملزمة.


ويرتبط حذر الصين كذلك بعمق مصالحها الاستراتيجية في إثيوبيا، التي تعتبرها بكين بوابة رئيسية وقلبًا للقارة الأفريقية في تنفيذ مبادرة «الحزام والطريق» والتوسع في منطقة القرن الأفريقي.


كما تتشابك المصالح الصينية مع مشروعات إثيوبية في قطاعات الزراعة والكهرباء والسكة الحديد، التي تستفيد بصورة مباشرة من الطاقة التي يوفرها السد. ولذلك ترى حلمي أن حجم المصالح الاقتصادية يجعل الصين شديدة الحرص على عدم خسارة حليفتها الإثيوبية، وهو ما يبقي موقفها أقرب إلى تجنب المواجهة والامتناع عن فرض تسوية على أديس أبابا.


ترى الكاتبة أن النفوذ الصيني يحمل إمكانات تنموية ضخمة لأفريقيا، لكنه يظل محاطًا بمخاطر التنافس الجيوسياسي مع القوى الأخرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وتبقى قدرة مصر على تحقيق التوازن الدبلوماسي والاعتماد على سياسة تعدد الشركاء العامل الحاسم لتحويل هذا النفوذ إلى عنصر استقرار يدعم أمنها القومي.
 

وبحسب هذا التصور، تستطيع القاهرة استثمار موقعها الاستراتيجي الذي يربط أفريقيا بآسيا وأوروبا، وتحويل المنافسة الدولية والشراكة مع الصين إلى فرص تنموية مدروسة، بدلًا من السماح بتحول أفريقيا والبحر الأحمر إلى ساحة جديدة للصراع بين القوى الكبرى.

 

https://moderndiplomacy.eu/2026/09/13/egypt-benefit-china-us-rivalry-africa/?cmplz-force-reload=1789461197379